في سياق التطورات السياسية المعقدة، أقرّت الكنيسة الإسرائيلية قانونًا يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين بدعم من الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو، مما يشكل تحولًا خطيرًا في إطار القانون الدولي حيث يتجاوز هذا القانون انتهاكات حقوق الإنسان إلى تقنين الإعدام خارج إطار العدالة.

القانون الذي حصل على تأييد برلماني واضح لا يمكن اعتباره إجراءً جنائيًا عاديًا، بل يمثل أداة سياسية تعيد تعريف العلاقة بين القوة والقانون، مما يؤدي إلى انهيار منظومة العدالة.

تكمن خطورة هذا التشريع ليس فقط في إقراره لعقوبة الإعدام، بل في طبيعته التمييزية، إذ يستهدف بشكل خاص الأسرى الفلسطينيين، مما يضعه في صميم أحد أخطر المحظورات في القانون الدولي، وهو التمييز القائم على الهوية القومية أو العرقية، مما يجعله قريبًا من تكريس نظام فصل قانوني مزدوج يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة ومواثيقها.

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ينص بوضوح على أن الحق في الحياة حق أصيل لا يجوز انتهاكه تعسفًا، كما يشدد على ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك استقلال القضاء وحق الدفاع، ويتطلب معايير صارمة في القضايا التي قد تفضي إلى عقوبة الإعدام، إلا أن القانون الإسرائيلي الجديد يكتفي بأغلبية قضائية بسيطة لإصدار حكم بالإعدام حتى في حال كان الأسير طفلًا، مما يمثل تراجعًا خطيرًا عن المعايير الإجرائية الدنيا في الأنظمة القانونية.

الأخطر هو أن القانون يغلق باب العفو أو تخفيف الحكم، ويمنع إدراج المحكومين ضمن أي صفقات تبادل مستقبلية، مما يحول العقوبة من إجراء قضائي إلى أداة انتقام سياسي ويقضي على أي أمل في مراجعة الأحكام أو تصحيح الأخطاء القضائية، وهذا التوجه لا ينسف فقط مبدأ العدالة بل يُلغي أحد أهم ضماناتها، إمكانية التدارك.

في ظل الاحتلال، تزداد خطورة هذا القانون، حيث يضع القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، قيودًا صارمة على سلطة القوة القائمة بالاحتلال تجاه السكان تحت سيطرتها، ولا يجيز استخدام القضاء كأداة قمع أو تصفية سياسية، لذا فإن تطبيق عقوبة الإعدام في هذا السياق، وبشروط تفتقر إلى العدالة، يمكن اعتباره شكلًا من أشكال القتل التعسفي المحظور دوليًا.

التحذيرات الأوروبية التي تشير إلى إمكانية فرض عقوبات تشمل تعليق اتفاقيات الشراكة تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة هذا المسار.

دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بدأت تدرك أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن استمرار هذا النهج يهدد بتقويض النظام الدولي القائم على القواعد، ومع ذلك تبقى هذه التحذيرات في إطار الضغط السياسي غير الملزم.

في المقابل، يبدو العالم العربي غائبًا عن التأثير، مشغولًا بصراعاته الداخلية والإقليمية، بينما يتم تمرير تشريعات مصيرية في ظل انشغال دولي بتوترات التصعيد بين إيران وإسرائيل، وهذا التوقيت يعكس استغلالًا سياسيًا واضحًا لتمرير قانون فاشي في لحظة تراجع التركيز الدولي على القضية الفلسطينية.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تصويت قانوني، بل إعادة صياغة لمفهوم اللاعدالة تحت الاحتلال، حين تتحول السجون إلى فضاءات الإعدام، وحين يُشرعن التمييز في النصوص القانونية، فإننا أمام واقع يُنذر بانزلاق خطير نحو تقويض كامل لكونية حقوق الإنسان، حيث يجب أن يكون القانون أداة لحماية الحياة، لا وسيلة لإنهائها.

الرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط على إلغاء القانون، بل على منظومة العدالة الدولية التي فقدت معناها مع ما نراه في وقتنا هذا، مما يفتح الباب أمام دول أخرى لتقنين انتهاكات مماثلة تحت غطاء السيادة أو الأمن.

ما يحدث يطرح سؤالًا جوهريًا للجميع، هل ما زال القانون الدولي قادرًا على حماية الإنسان، أم أنه بات مجرد نصوص تُطبق انتقائيًا، والإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الأسرى الفلسطينيين بل مستقبل العدالة في العالم بأسره.