عمان – يشهد المشهد الإقليمي تصعيدًا متزايدًا في سياق الصراع القائم بين إيران وإسرائيل، حيث يتجاوز هذا الصراع الأبعاد العسكرية التقليدية ليشمل تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي، مما يثير تساؤلات حول مآلات الحرب وإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة بشكل شامل، حيث تشير تحليلات الخبراء إلى أن ما يحدث ليس مجرد صراع عابر، بل لحظة مفصلية تعيد رسم خرائط النفوذ وتعيد تعريف الأدوار الإقليمية والدولية، مما يدفع نحو ولادة اصطفافات جديدة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها المصالح وتتشابك فيها خطوط التأثير، وهو ما أكده أيضًا عدد من التقارير الدولية التي رصدت هذه التحولات في خريطة التحالفات الإقليمية، مشيرة إلى أن الحرب تسهم في تسريع مسار إعادة توزيع مراكز النفوذ، حيث لم تعد التحالفات تبنى فقط على الاتفاقات السياسية التقليدية، بل على شراكات وظيفية قائمة على إدارة التهديدات، مما يعكس انتقالًا من مفهوم التحالف الثابت إلى تحالفات مرنة ومتغيرة تتكيف مع طبيعة الصراع المتصاعد.
هندسة التحالفات
في هذا الإطار، أشار الخبراء إلى أن دخول قوى إقليمية على خط الأزمة لم يعد تفصيلاً هامشيًا، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل مسار الصراع، حيث برزت دول مثل تركيا وباكستان في أدوار دبلوماسية نشطة، من خلال فتح قنوات اتصال متعددة الأطراف، والمساهمة في نقل الرسائل بين الخصوم، ومحاولة احتواء التصعيد عبر مسارات تفاوضية غير تقليدية، وأكدوا أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة هندسة للتحالفات، ولكن ليس بالشكل التقليدي المعروف، بل وفق نموذج جديد يقوم على المرونة، وتعدد الأقطاب، وإدارة التهديدات بدلاً من المواجهة المباشرة، وهو ما تعكسه أيضًا التقارير الدولية التي تحدثت عن صعود تحالفات غير تقليدية وشبكات نفوذ متداخلة.
خريطة الاصطفافات
تشير التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث دولية إلى أن الحرب الجارية تعيد رسم خريطة الاصطفافات في الشرق الأوسط، حيث يتقدم دور بعض القوى الإقليمية كتركيا، التي تُعتبر “قوة موازنة” تسعى إلى الجمع بين أطراف متناقضة، من خلال الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، وهو ما يعزز من حضورها في النظام الإقليمي الجديد، وفي موازاة ذلك، بين الخبراء أن الحرب لم تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت لتشمل الاقتصاد والأسواق العالمية، حيث شكل أي تصعيد في منطقة الخليج مصدر قلق مباشر للاقتصاد الدولي، في ظل الاعتماد الكبير على هذه المنطقة كممر رئيسي للطاقة، وأشاروا إلى أن التحولات في بنية التحالفات لم تعد مرتبطة بالتحالفات المعلنة، بل باتت تتجلى في تحالفات غير مباشرة، تتداخل فيها المصالح وتتقاطع فيها الأدوار، في مشهد يعكس انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، حيث تتقدم المصالح الصلبة على الاعتبارات الأيديولوجية، وتتراجع التحالفات الثابتة لصالح تحالفات مرنة متعددة المسارات.
ثلاثة مسارات إيرانية
في تقدير لمآلات الحرب وتداعياتها على شكل الإقليم، قدم الخبير والمحلل السياسي د. منذر الحوارات قراءة سياسية معمقة، أكد فيها أن المنطقة بعد الحرب على إيران لن تكون كما كانت قبلها، مشيرًا إلى أن طهران، بوصفها قوة إقليمية كبرى، ستخرج من هذه المواجهة في أحد ثلاثة مسارات؛ إما التغيير، أو التعديل، أو الضعف، ورأى الحوارات أن المنطقة تتجه بالفعل نحو إعادة هندسة شاملة للتحالفات، تقودها موازين القوة الجديدة، وتعيد ترتيب الأدوار الإقليمية بما يتناسب مع نتائج المواجهة والتحالفات التي أفرزتها.
إعادة تشكيل جيوسياسي
وفي قراءة معمقة لمآلات الحرب وتداعياتها، قدم الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة تقديرًا إستراتيجيًا أشار فيه إلى أن المشهد الإقليمي كان يتجه نحو منعطف تاريخي حاد، موضحًا أن الحرب الدائرة لم تعد مجرد اشتباك عسكري محدود، بل تحولت إلى عملية إعادة تشكيل جيوسياسي عميقة أعادت تعريف مراكز القوة والنفوذ، وفرضت معادلات ردع جديدة تجاوزت حدود الجغرافيا التقليدية، ورأى الدعجة أن ما يدور يطرح استنتاجًا إستراتيجيًا حاسمًا، مفاده أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة هندسة التحالفات، ولكن وفق نموذج غير تقليدي يقوم على الشبكات المرنة والمصالح المتقاطعة وإدارة المخاطر بدلاً من المواجهة المباشرة، مما جعل هذه التحالفات أكثر سيولة وأسرع تغيرًا وأكثر ارتباطًا بطبيعة التهديدات المتحركة.

