عمان تشهد تصعيدًا عسكريًا متزايدًا يتزامن مع إدانات دولية وعربية تندد باستهداف المدنيين والبنية التحتية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه الإدانات على التأثير في سلوك الأطراف المعنية في ظل ميزان القوة المتغير على الأرض، حيث أشار خبراء سياسيون وأمنيون إلى أن هذه الإدانات تعكس موقفًا أخلاقيًا مهمًا لكنها تفتقر إلى أدوات التنفيذ الفعلي، مما يحد من قدرتها على تغيير سلوك الأطراف المنخرطة في الصراع، فهي تبقى رسائل تحذير تعبر عن القلق الدولي دون أن تتحول إلى أدوات قادرة على فرض معادلات جديدة على الأرض، كما حذروا من انعكاسات غياب أدوات الضغط الحقيقية على تعميق الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، خصوصًا في ظل طبيعة الصراعات المعاصرة التي لم تعد تقليدية بل أصبحت هجينة ومتعددة الساحات.
أما على مستوى إدارة هذا المشهد المعقد
، فقد أشار المختصون إلى أن الأردن يمثل نموذجًا لدولة تتبنى مقاربة متوازنة تهدف إلى إدارة المخاطر وتجنب الانخراط في محاور متصارعة، حيث تتمثل خيارات الأردن في منظومة متكاملة تبدأ بتعزيز الردع الوقائي عبر تطوير أنظمة دفاع متقدمة وقدرات إنذار مبكر، وصولًا إلى توسيع الشراكات الأمنية والاستخباراتية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، خصوصًا السيبرانية منها، كما يبرز دور الجبهة الداخلية كعنصر أساسي في مواجهة التحديات من خلال تعزيز التماسك المجتمعي وحماية الاستقرار الاقتصادي وبناء وعي قادر على التصدي لحملات التضليل.
وفي البعد الدبلوماسي
، يواصل الأردن سياسة التوازن المدروس عبر الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف وتجنب الاصطفاف في محاور حادة، مما يمنحه قدرة على المناورة في أوقات الأزمات ويعزز من حضوره كطرف موثوق إقليميًا ودوليًا، حيث أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي أن المواقف الدولية والعربية المنددة بالهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية تعد مهمة في تشكيل شبكة من العلاقات الدولية التي ترفض مثل هذه السلوكيات، لكنه أشار إلى أن السؤال الأهم يكمن في مدى فاعليتها وقدرتها على التأثير في سلوك الدول المعنية، مضيفًا أنه لا يعتقد بوجود ضغط مباشر كاف يمكن أن يدفع دولة مثل إيران إلى تغيير نمط علاقاتها أو سياساتها في الإقليم، كما أن الإدانات الدولية السابقة لم تحدث تحولًا ملموسًا في سلوك الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني.
وبيّن أن استهداف المدنيين يعكس تجاوزًا لكل حدود العقل والمنطق، حيث إن الدول المنخرطة في هذه الصراعات لا تنطلق أساسًا من منطق الحفاظ على المدنيين وحقهم في الحياة، وفيما يتعلق بالأردن، أوضح أن المملكة تتمتع بموقع دولي “رزين” نتج عن سنوات طويلة من العمل المؤسسي والجهود المتراكمة التي عززت توازن علاقاتها مع مختلف دول العالم، مشددًا على أن هذا التوازن يشكل ركيزة أساسية في التعامل مع الأزمات.
ردع الانتهاكات
، وعند النظر إلى مدى قدرة المواقف الدولية على ردع الانتهاكات المتصاعدة، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة أن الإدانات العربية والدولية تتزايد مع استمرار مسار التصعيد العسكري في الإقليم، مشيرًا إلى أن هذا التصعيد يرافقه ما وصفه بارتدادات عملياتية تتجاوز ساحات الاشتباك المباشر لتطال بنى تحتية حيوية ومرافق سيادية في عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج والأردن، حيث أضاف الدعجة أن طبيعة الإدانات الراهنة تكشف أنها تتحرك ضمن مستوى سياسي رمزي أكثر من كونها أداة ضغط عملياتي مباشر، حيث تعكس رفضًا واضحًا لاستهداف المدنيين والبنى التحتية لكنها لا تمتلك أدوات إلزام أو تنفيذ قادرة على تغيير حسابات الأطراف المنخرطة في الصراع.
وأشار إلى أن هذا القصور لا يرتبط فقط بضعف الإرادة الدولية، بل بطبيعة التحول البنيوي في شكل الحروب المعاصرة التي لم تعد تقليدية بين دول بحدود واضحة، بل تحولت إلى نمط حرب هجينة متعددة الساحات تُستخدم فيها أدوات منخفضة التكلفة وعالية التأثير مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والهجمات السيبرانية، وهو ما يجعل معادلة الردع التقليدية أقل فاعلية أمام سرعة الحركة وتعدد الجبهات، حيث إن الإدانات في هذا السياق لم تعد تقرأ كخطوط حمر سياسية ملزمة بل أصبحت جزءًا من دورة التصعيد ذاتها.
تطورات صعبة التنبؤ
، وفي إطار البحث في ما إذا كانت الإدانات الدولية تشكل أداة ضغط حقيقية أم مجرد موقف سياسي، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات أن الإدانات الدولية والعربية للهجمات التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية تشهد تصاعدًا ملحوظًا، مشيرًا إلى أن هذه الإدانات تركز على التحذير من اتساع رقعة التصعيد وفقدان السيطرة على مسار الأحداث، وهو ما تعكسه مواقف عدد من الدول الأوروبية، لكنه أكد أن هذه الإدانات لا تشكل بالضرورة أداة ردع حقيقية قادرة على وقف التصعيد أو تغيير سلوك الأطراف المتحاربة، حيث إن طبيعة النوايا لدى الأطراف المنخرطة في الصراع تجعل من التصعيد مسارًا مستمرًا، موضحًا أن المؤسسات الدولية تواجه صعوبة في لعب دور فاعل في احتواء الأزمة، مما يحد من قدرتها على فرض ضغط مؤثر.

