في ظل التغيرات الجذرية التي تشهدها ساحات الحروب الحديثة، لم يعد الدخان المتصاعد من المعارك هو العامل الوحيد لتحديد المنتصر، بل أصبح الصراع يتجاوز الجغرافيا التقليدية ليشمل استراتيجيات معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع أدوات غير تقليدية، مما يطرح تساؤلات حول مفهوم الانتصار في هذه الحروب المتطورة.
هذا التحول يعكس تغييرات عميقة في فلسفة الحرب، حيث تندمج الأنظمة العسكرية مع التكنولوجيا الحديثة، مما يخلق واقعًا يتجاوز التصورات التقليدية للغلبة في ساحة المعركة.
من الجبهة إلى الشبكة.. كيف تغيّرت طبيعة الحرب؟
يؤكد الخبير العسكري د. محمد مقابلة أن الحروب التقليدية كانت تعتمد على قواعد واضحة تتضمن جيوشًا تتواجه في ميدان المعركة، حيث كانت الخطط العسكرية ترتكز على الحشد البشري والآليات الثقيلة، وكان التقدم يُقاس بالأمتار والنصر يُحقق من خلال السيطرة على الأرض بالقوة البشرية.
كانت المعارك تُدار بأسلحة تقليدية، مثل الدبابات والمدفعية، مع دعم جوي، بينما اعتمدت العمليات الكبرى على الإنزال العسكري وتحريك المشاة، ولم يكن هناك حضور ملحوظ للتكنولوجيا الرقمية أو ما يُعرف اليوم بالحرب السيبرانية والطائرات غير المأهولة.
ويشير مقابلة إلى أن هذا المشهد قد تغير جذريًا، حيث أدت التكنولوجيا إلى ظهور أنماط جديدة من الحروب تُعرف بالحروب الحديثة أو “الهجينة”، بحيث لم تعد المواجهات بالضرورة مباشرة، بل قد تُخاض عن بُعد باستخدام شاشات وأنظمة تحكم متقدمة.
حروب بلا جبهات.. من المنتصر؟
يُبرز مقابلة أن من أبرز التحولات هو صعود الحرب السيبرانية كأداة استراتيجية قادرة على شل الخصم دون الحاجة إلى قصف أو اشتباك مباشر، إذ يمكن تعطيل أنظمة المرور أو اختراق مراكز القيادة والسيطرة، مما يؤدي إلى شلل في الحركة وتأخير العمليات.
كما دخلت الطائرات المسيّرة بقوة إلى ساحة المعركة، مع الاعتماد على الأقمار الصناعية وأنظمة المراقبة الذكية، مما منح الجيوش قدرة غير مسبوقة على الرصد والتوجيه الدقيق.
حتى مفهوم القيادة العسكرية التقليدي لم يسلم من هذا التحول، حيث بات القائد يدير المعركة من مراكز قيادة متطورة تعتمد على البيانات الفورية والتحليل التقني، مما يعكس انتقال الحرب من المواجهة المباشرة إلى الإدارة الذكية للصراع.
في هذا السياق، لم تعد الحرب محصورة في جبهة جغرافية محددة، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني والإعلامي، حيث تُستخدم المعلومات والتضليل كجزء من أدوات المواجهة، وبالتالي لم تعد هناك جبهة واحدة ولا اشتباك مباشر بالضرورة.
يشير مقابلة إلى أن مفهوم النصر قد تغير نتيجة لاختلاف أدوات الحرب، ففي الحروب التقليدية، كان النصر يعني السيطرة على الأرض وإجبار الخصم على الاستسلام، بينما اليوم، أصبحت القدرة على استنزاف الخصم وإضعافه سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا جزءًا أساسيًا من مفهوم النصر.
ويتابع بأن الدولة التي تنجح في فرض كلفة مستمرة على خصمها قد تعتبر نفسها منتصرة حتى دون تحقيق تقدم ميداني واضح، في حين قد يُنظر إلى صمود الطرف الأضعف واستمراره في المواجهة كإنجاز يرقى إلى مستوى “النصر النسبي”.
حروب طويلة.. ونهايات مفتوحة
تتميز الحروب الحديثة بالإطالة، مما يقلل من فرص الحسم السريع، ومع مرور الوقت، تتحول الحرب إلى معركة استنزاف يدفع فيها الطرفان أثمانًا متزايدة، مما يدفعهما في النهاية إلى طاولة المفاوضات.
لكن هذه المفاوضات، كما يوضح مقابلة، لم تعد تُبنى على منطق الإملاءات، بل على توازنات فرضها طول أمد الصراع، حيث يسعى كل طرف لتقليل خسائره والخروج بأفضل مكاسب ممكنة، خصوصًا مع توسع رقعة الأضرار وقاعدة المتضررين.
ونوّه مقابلة إلى أن الحروب الحديثة لم تعد شأنًا محليًا بين دولتين، بل أصبحت ذات تأثير عالمي، حيث أن استهداف مصادر الطاقة أو تعطيل الممرات المائية قد ينعكس على الاقتصاد الدولي بأكمله، مما يدفع قوى العالم للتدخل.
برزت أهمية المضائق البحرية والممرات الحيوية كأوراق ضغط استراتيجية للدول المسيطرة عليها، مما يمكن دولة ذات قوة عسكرية محدودة من التأثير على حركة التجارة العالمية.
الانتصار.. حقيقة أم سردية؟
من جهة أخرى، يقدم المحلل السياسي عامر السبايلة قراءة أكثر حسمًا، حيث يرى أن مفهوم الانتصار لم يتغير في جوهره، بل إن الالتباس ناتج عن محاولات إعادة تعريفه عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
يؤكد السبايلة أن الانتصار الحقيقي يبقى مرتبطًا بالنتائج الميدانية، وليس بالصورة التي تُرسم في الفضاء الرقمي، حيث لا يمكن لحملات إعلامية أو محتوى مُعدّل أن يغيّر واقعًا تُحدده العمليات العسكرية على الأرض.
كما يعترف السبايلة بأن أدوات مثل الاقتصاد والإعلام والهجمات السيبرانية أصبحت جزءًا مهمًا من الحروب الحديثة، إلا أنه يضع حدودًا واضحة لهذا التأثير، مؤكدًا أن هذه الأدوات لا يمكن أن تعوّض الهزيمة العسكرية، حيث لا يمكن للدولة التي تخسر ميدانيًا تحقيق انتصار سياسي حقيقي.
هل تغيّر النصر أم تغيّرت أدواته؟
يتفق الخبيران، رغم اختلاف زاوية النظر، على أن الحروب لم تعد كما كانت، حيث لم يعد الحسم العسكري شرطًا كافيًا لتحقيق الأهداف، كما أن الانتصار لم يعد مفهومًا بسيطًا يمكن قياسه بمؤشر واحد.
في عالم تتداخل فيه القوة الصلبة مع القوة الناعمة، لم تعد الحروب تُحسم فقط بما يحدث في الميدان، حيث تتداخل مفاهيم الحسم والاستنزاف، مما يجعل قراءة “الانتصار” أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
بين من يراه في السيطرة المباشرة ومن يلمسه في القدرة على الصمود وفرض الكلفة، تبقى الحروب الحديثة مفتوحة على نهايات غير تقليدية، حيث تُرسم ملامحها عبر مسار طويل من التوازنات والضغوط والنتائج المتراكمة.
تبقى الحقيقة الأبرز أن الحروب لم تعد كما كانت، وأن تعريف الانتصار صار ساحة معركة بحد ذاته.

