في ظل التوجهات المتسارعة نحو تحديث الإدارة العامة، تتجه المؤسسات الرسمية نحو تطوير خدماتها من خلال استخدام تقنيات متقدمة في رصد البيانات وإدارتها، حيث يعتبر الذكاء الاصطناعي أداة فعالة في هذا المجال، مما يسهم في تقليل الروتين وإمكانية إلغائه في بعض الحالات.

وفي هذا السياق، اعتبر خبراء في الإدارة أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إدارة البيانات يمثل نقلة نوعية تعزز من فعالية الدولة الحديثة، حيث يعيد بناء أسلوب عمل الحكومة على أساس البيانات، مما يدعم تحسين الأداء المؤسسي ويزيد من كفاءة الخدمات الحكومية، كما يسهل الإجراءات على المواطنين ويعزز من توفر البيانات الدقيقة لاستخدامها في السياسات والاستراتيجيات واتخاذ القرارات، مما ينعكس إيجابًا على البيئة الاقتصادية والتنموية وجذب الاستثمارات.

وقد أكد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، خلال ترؤسه اجتماع المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، على أهمية رصد وجمع البيانات الحكومية بدقة وكفاءة، وإدارتها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لدعم تحسين الأداء المؤسسي ورفع كفاءة الخدمات الحكومية وتسهيل الإجراءات على المواطنين، مما يعزز من العلاقة بين الحكومة والمواطن وييسر شؤونه ومعاملاته.

رصد وجمع البيانات الحكومية بكفاءة ودقة
وزيرة الدولة السابقة لتطوير القطاع المؤسسي، ياسرة غوشة، أكدت أن تأكيد ولي العهد على أهمية رصد وجمع البيانات بدقة وكفاءة يعكس رؤية متطورة تسعى لوضع الأردن على طريق التحديث الحقيقي، مشيرة إلى أن التحول من الإدارة التقليدية إلى الحديثة يتطلب الالتزام بمعايير الدقة في رصد وجمع البيانات وإدارتها باستخدام الوسائل الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، مما يحقق إدارة حكومية أفضل ويعزز من الحوكمة والتنمية المتقدمة.

وأضافت غوشة أن جمع البيانات من مصادر متعددة بطرق منظمة عبر جهة مركزية، وتوظيفها بشكل سليم، يحسن من الخدمات الحكومية ويبسط الإجراءات، مما يجعل التحسين ملموسًا للمواطن، ويقدم خدمات رقمية متوافقة مع المعلومات المطلوبة وبيانات المستفيدين، كما يساهم في تحسين المساءلة ويعزز الشفافية، مما يزيد من ثقة المواطن في العمل الحكومي.

وأوضحت غوشة أن توفر معلومات دقيقة لدى الإدارة يمكنها من معرفة المشكلات قبل حدوثها، والتعرف على نقاط الضعف والازدواجية في الإجراءات، مما يسمح بحلول استباقية بدلاً من إصلاحات لاحقة، كما أن جودة البيانات ودقتها وحفظها وتحديثها باستمرار تسهم في نجاح الإدارة الحكومية في جمع البيانات وتبني الأفكار الجديدة وتعزيز الابتكار.

وأكدت أن وجود البيانات يعد رصيدًا للحكومة لوضع نهج استراتيجي، مما يحدث أثرًا إيجابيًا على السياسات والخدمات والإدارة الحكومية بشكل عام، مشيرة إلى أن التجارب العالمية أظهرت أن توفر البيانات يحدث تغييرات كبيرة في إدارة المؤسسات ويقلل من تكاليفها، حيث إن استخدام البيانات الدقيقة في السياسات والاستراتيجيات يحقق أثرًا اقتصاديًا ويحسن من بيئة الأعمال.

فهم دور الدولة الحديثة
من جهته، أكد أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقًا، د. عبدالله القضاة، أن هناك نقلة نوعية في فهم دور الدولة الحديثة، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على رقمنة الخدمات فقط، بل يتطلب إعادة بناء طريقة عمل الحكومة بالكامل على أساس البيانات، مما يضع معيارًا جديدًا للإدارة العامة يستند إلى بيانات دقيقة ومتكاملة.

وأضاف القضاة أن جودة البيانات تمثل نقطة البداية لأي إصلاح حقيقي، حيث إن البيانات غير الدقيقة أو المجزأة تؤدي إلى نتائج مضللة، مما يستدعي تحسين القرار الحكومي وتقليل الهدر ورفع كفاءة الإنفاق العام، مشيرًا إلى أن الدولة التي تمتلك بيانات قوية يمكنها التنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها.

وفي إجابته عن سؤال حول كيف ينعكس هذا التوجه على حياة المواطن اليومية، رأى القضاة أن الأثر يجب أن يكون مباشرًا وملموسًا، حيث سيشعر المواطن بتحسن حقيقي إذا كانت الخدمات الحكومية سريعة وإجراءاتها بسيطة، كما يمكن تقديم خدمات استباقية تصل إلى المواطن قبل أن يطلبها، مما يعكس جوهر التحول الذي أشار إليه ولي العهد.

وحول العلاقة بين هذا التوجه والتنمية الاقتصادية، أوضح القضاة أنها مباشرة وقوية، حيث تمكّن البيانات الدقيقة الحكومة من توجيه الدعم بشكل أفضل وتحسين بيئة الاستثمار، كما يسهم استخدام الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة المؤسسات وتقليل الكلفة التشغيلية وزيادة الإنتاجية، مما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

واقترح القضاة عدة خطوات عملية تتطلب من الحكومة تنفيذها للانتقال من مرحلة التوجه إلى التنفيذ المنهجي، مثل توحيد قواعد البيانات الحكومية وربطها بمنظومة متكاملة، ووضع إطار واضح لحوكمة البيانات يضمن جودتها وأمنها وخصوصيتها، وإعادة هندسة العمليات وتبسيط الإجراءات الحكومية قبل رقمنتها، بالإضافة إلى الاستثمار في بناء قدرات الموظفين الحكوميين في تحليل البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي.

وأوضح القضاة أن هناك تحديات قد تواجه هذا التحول، حيث إن التحدي الأكبر ليس تقنيًا بل مؤسسي وثقافي، مما يستدعي إرادة سياسية واضحة لتجاوز هذه التحديات.

تسهيل إجراءات خدمات المواطنين
مدير عام معهد الإدارة العامة سابقًا، راضي العتوم، أشار إلى أن رؤية ولي العهد تهدف في النهاية إلى تسهيل إجراءات خدمات المواطنين وتعزيز ممارسة الأعمال، مما يسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف أنه لتحقيق ذلك، يجب جمع البيانات الحكومية وتوفيرها بتكامل ودقة، ورصدها وإخراجها بما يناسب متخذي القرار والباحثين، مما يمكنهم من تقديم السياسات والتوصيات المناسبة لرسم الخطط الرصينة.

وبين العتوم أن نجاح توفير المعلومات الدقيقة يعتمد على حسن توظيفها للتحليل والاستخلاص، حيث يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء المؤسسي ورفع كفاءة الخدمات الحكومية.

رفع كفاءة اتخاذ القرار
بدوره، بين الأستاذ بجامعة اليرموك، د. محمد الروابدة، أن رفع كفاءة اتخاذ القرار بدلاً من الاعتماد على التوقعات أو الخبرات الفردية يتيح رصد البيانات لصناع القرار، مما يساعد على التنبؤ بالأزمات ورصد البيانات الصحية والاقتصادية، كما يمكن الحكومة من معرفة المناطق أو القطاعات الأكثر احتياجًا للدعم، مما يمنع هدر الموارد.

وأشار الروابدة إلى أن قياس مؤشرات الأداء وتتبع الأداء لحظيًا يضمن التزام المؤسسات بالأهداف المعلنة، كما أن نشر البيانات المفتوحة يزيد من ثقة المواطن بالحكومة في مكافحة الفساد، حيث إن الرصد الدقيق للتدفقات المالية يقلل من فرص التلاعب.

وأوضح أنه عبر تحليل بيانات المواطنين، تستطيع الحكومة تقديم خدمات تتناسب مع احتياجات كل فرد، مما يقلل من الحاجة للمعاملات الورقية ويحقق وفورات مالية كبيرة سنويًا.