عمان تشهد تطورات عسكرية جديدة في الإقليم تؤثر على ملف السلامة البيئية والإشعاعية، حيث تتصاعد التوترات بين إيران والكيان الصهيوني، مما يثير المخاوف بشأن المنشآت النووية مثل مفاعل ديمونا، الذي عاد ليكون محور القلق بعد تقارير عن اقترابه من الاستهداف خلال النزاعات الأخيرة، مما يعيد إلى الأذهان تداعيات أي حادث نووي محتمل وتأثيره على الدول المجاورة بما في ذلك الأردن.
تظهر المعطيات الرسمية أن المملكة لم تسجل أي تغيرات في نوعية الهواء حتى الآن، حيث تواصل وزارة البيئة عمليات الرصد على مدار الساعة ضمن منظومة وطنية متكاملة، مدعومة بمتابعة المنصات العالمية المختصة، في إطار إجراءات استباقية تحاكي سيناريوهات متعددة بما في ذلك التلوث الإشعاعي.
يتضح الربط بين بيانات جودة الهواء والمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، مما يعكس مستوى الجاهزية المؤسسية، خاصة في ظل احتمالات تتعلق بطبيعة الحوادث النووية واتجاهات الرياح، وهي عوامل حاسمة في تحديد نطاق التأثر.
تاريخيًا، تُعد كارثة تشيرنوبل مثالًا صارخًا على عابرية التلوث الإشعاعي، حيث انتقلت نظائر مثل سيزيوم-137 إلى دول بعيدة بفعل حركة الرياح، مما يعيد طرح سيناريوهات مشابهة في حال وقوع أي خلل في منشآت نووية قريبة مثل ديمونا، خاصة مع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة.
عززت تجربة كارثة فوكوشيما القناعة بأن الحوادث النووية تحمل آثارًا بيئية وصحية ممتدة، مما يربط تطور النزاع الإيراني الإسرائيلي منذ عقود، حيث يشكل البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز محاور التوتر، مقابل سياسة الغموض النووي الإسرائيلية المرتبطة بمنشأة ديمونا منذ الستينيات.
مع انتقال الصراع من الظل إلى المواجهة المباشرة، تتداخل الأبعاد العسكرية مع البيئية، مما يعيد تعريف مفهوم الأمن ليشمل السلامة الإشعاعية كجزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة.
في هذا السياق، يشير الخبراء إلى أن أي ضرر محتمل في مفاعل ديمونا، حتى وإن كان محدودًا، قد يفتح الباب أمام انتقال ملوثات إشعاعية عبر الهواء، مما يجعل التأثير مسألة احتمالية مرتبطة بالجغرافيا والظروف المناخية.
رغم تقديرات تقلل من قدرة الضربات الصاروخية التقليدية على إحداث ضرر عميق في المفاعل، إلا أن عامل المخاطرة يبقى قائمًا ضمن حسابات الحرب غير التقليدية.
رقابة محلية مستمرة منذ اندلاع الحرب، لم تُسجل أي تغيرات ملحوظة في نوعية الهواء المحيط، حيث تواصل وزارة البيئة رصد تراكيز ملوثات الهواء بشكل مستمر، وعلى مدار الساعة ضمن منظومة المراقبة المعتمدة، وفق وزير البيئة د. أيمن سليمان.
كما تتم متابعة المنصات العالمية المختصة برصد نوعية الهواء خارج حدود المملكة كإجراء استباقي داعم لجهود المراقبة الوطنية، وفق قوله.
شدد الوزير سليمان على أن بيانات مؤشر جودة الهواء ربطت مع المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، لتزويده بخطة طوارئ بيئية معتمدة، والذي يتولى بدوره تنسيق أدوار الجهات المعنية وتعزيز جاهزية الاستجابة.
في حال حدوث أي تلوث إشعاعي، أكد سليمان أن التعامل معه يجري وفق خطط الطوارئ المعتمدة لدى هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، وبما يضمن إدارة فعّالة للمخاطر والحد من آثارها.
أضاف أن مدى تأثر المملكة بالتلوث الإشعاعي يتحدد بشكل رئيسي وفق اتجاهات الرياح السائدة وقت وقوع الحادث، لكنه لفت إلى أن تأثر الأردن باستهداف محطات الطاقة في إيران أو غيرها يعتمد تقييمه على مجموعة من العوامل الرئيسة، تشمل شدة الحادث ونطاقه، وطبيعة المواد المنبعثة، ومدى تأثر مكونات البيئة المختلفة من الهواء، والمياه، والتربة.
بين أن التقييم يمتد ليشمل الآثار المحتملة على استمرارية إمدادات الطاقة في المملكة، وانعكاساتها على القطاعات الحيوية.
صنف سليمان تلوث الهواء إلى فئتين رئيسيتين؛ إحداهما ملوثات المحيط التقليدية، والتي تندرج ضمن اختصاص وزارة البيئة، حيث يتم رصدها بشكل مستمر من خلال الشبكة الوطنية لمراقبة نوعية الهواء المحيط، وذلك استنادًا إلى التشريعات والأنظمة ذات العلاقة.
والثانية ملوثات الهواء الإشعاعية، التي تقع ضمن اختصاص هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، والتي تتولى مراقبتها عبر محطات الرصد الإشعاعي الثابتة، استنادًا إلى أحكام الفقرة (ب) من المادة الرابعة من قانون الوقاية الإشعاعية والأمان والأمن النووي، والتي تنص على حماية البيئة وصحة الإنسان وممتلكاته من أخطار التلوث والتعرض للإشعاعات المؤينة وفقًا لأحكام القانون.
حول إن كان هنالك تنسيق مع وزارة الصحة في حال تعرض الأردن لأي تلوث إشعاعي، أكد سليمان أن هذه الخطوة تتم بشكل مباشر، ومن خلال المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، وذلك وفقًا لطبيعة ونوع التلوث، بما يضمن تكامل الجهود، وتوحيد إجراءات الاستجابة ضمن إطار وطني مشترك.
لا يقتصر الأمر على الجهات الرسمية وحدها؛ إذ أشار سليمان إلى أن ثمة نهجًا متكاملاً قائمًا على التوعية الاستباقية والتواصل الفعّال سيطبق للتعامل مع المواطنين، وعبر حملات إعلامية موجهة وتطوير محتوى إرشادي يوضح المخاطر وسبل الوقاية، إلى جانب إصدار تنبيهات عند الحاجة.
تشمل الخطة تعزيز الشراكات مع الجهات ذات العلاقة، وإتاحة المعلومات بشفافية، ضمن إطار مؤسسي يضمن الاستمرارية وتقييم الأثر، بحسبه.
تجارب سابقة في محاكاة تاريخية لكارثة تشيرنوبل للطاقة النووية الواقعة في شهر نيسان (أبريل) عام 1986، والتي أدت لتسرب إشعاعي واسع النطاق، أوضح أستاذ تلوث الهواء في الجامعة الهاشمية د. محمود أبو اللبن أن أول دول علمت بالمشكلة كانتا السويد وفنلندا لأن الرياح حملت مادة “السيزيوم المشع” الناجمة عن الانفجار بالمحطة إلى مناطق بعيدة وصلت إلى هاتين الدولتين.
بناءً على ذلك، أكد أن حدوث أي ضرر في المحطات النووية التي تمتلكها الدول مثل مفاعل ديمونا، فإن البلدان المحيطة بها، والبعيدة كذلك ستتأثر، بل تطال الكوكب بأكمله.
لفت إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لديها مراقبة حثيثة على كافة الأنشطة النووية في الدول التي تقوم بها، لأنها على دراية بأن أي خلل أو ضرر قد يطالها، أو تسرب، سيحدث معه تأثيرًا كبيرًا، ورغم أن الدول التي قد تبعد عن أماكن تواجد هذه المفاعلات والمحطات قد يكون التأثر بأي تسرب ناجم عنها “قليل”، لكن أبو اللبن شدد على أن ذلك لا يعني أن التأثيرات لن تطالها.
ضرب مثالاً على ذلك بأنه في حال إجراء فحص للتربة في الأردن لمادة السيزيوم المشع، سيثبت وجودها بتركيز قليل نتيجة كارثة تشيرنوبيل للطاقة النووية.
لذلك فإن حدوث أي انفجار قد يحدث في مفاعل ديمونا، وبسبب الحرب الدائرة الحالية، فإن أي تسرب إشعاعي، لن يجعل الأردن بمأمن عن ضرره، وخاصة إذا كانت الرياح حينها شرقية غربية.
أضاف أن الإشعاع لا يشترط أن ينتقل عبر الهواء فقط، وإنما كذلك خلال المنخفضات الجوية، والغيوم، مما يعني أنه كلما كان قرب الإنسان من هذه المفاعلات أكثر، كان التأثر بها حال وقوع الكارثة أكبر.
إلا أن أبو اللبن يرى أن الصواريخ الإيرانية غير قادرة على إحداث أضرار في مفاعل ديمونا وإن استهدفته بشكل مباشر، وذلك لأن تأثير دمارها يتسم بأنه سطحي، في وقت تأخذ فيه إسرائيل الاحتياطات اللازمة لمنع حدوث مثل هذه الكارثة.
أعرب عن أمله ألا تقع أي حادثة تشبه تشيرنوبل؛ لأن إمكانات الأردن في التعامل مع هذه الكوارث “متواضعة”، وهذا الأمر ينساق على الولايات المتحدة الأميركية أيضًا، التي لا يمكنها سوى ترحيل المواطنين من مدينة لأخرى، وإغلاق المنشآت والمرافق المختلفة.
مستويات التأثير هنالك ثلاثة مستويات للتأثيرات الصحية للإشعاع النووي حددها المُستشار في الصحة العامة زياد العلاونة بـ”التأثيرات الحادة (Acute Radiation Syndrome)” والتي تظهر خلال أيام إلى أسابيع.
تشتمل هذه التأثيرات على حروق جلدية شديدة، وتساقط الشعر، ونزيف داخلي، واضطراب نخاع العظم، وإسهال وقيء حاد، والوفاة في الجرعات العالية جدًا، وهو ما أشارت إليه مؤسسة أبحاث تأثيرات الإشعاع الدولية (RERF) تبعًا له.
أما عن التأثيرات متوسطة وطويلة الأمد، فأجملها العلاونة في الإصابة بالسرطان (الأهم علميًا)، وأمراض القلب والأوعية، واضطرابات الغدد (خصوصًا الغدة الدرقية)، وضعف المناعة، وذلك وفقًا لما ورد في دراسة بحثية نشرت عام 2015 على المنصة العلمية الرقمية ساينس دايركت (Science Direct).
يشمل المستوى الثالث والأخير، وفق قوله، التأثيرات النفسية والاجتماعية والتي تنحصر بـالإصابة بقلق مزمن، واكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، وأخرى صحية مرتبطة بالضغط، وحدوث تفكك اجتماعي بسبب النزوح.
ولعل ما حدث في تشيرنوبل وفوكوشيما، كان له التأثير الأكبر، كما أشارت الرابطة النووية العالمية بحسبه.
تلخص العلاونة أهم المخاطر الصحية المتوقعة في أي تسرب إشعاعي وخاصة خلال الحرب الدائرة الحالية، بحدوث تهيج جلدي وأعراض إشعاعية (في حالات التعرض العالي) وعلى المدى القصير.
ولكن على المدى المتوسط فإن من يتعرضون له سيصابون بسرطان الغدة الدرقية (خاصة الأطفال)، وكذلك سرطان الدم.
تتعاظم التأثيرات على المدى الطويل، كما ذكر العلاونة، والتي تتضمن الإصابة بـسرطانات متعددة (الرئة، الثدي، القولون)، وأمراض قلبية، واضطرابات نفسية مزمنة.
وفق دليل وقائي عملي أعدته منظمة الصحة العالمية سابقًا للتعامل مع الإشعاعات خلال أول 24–72 ساعة، أوضحها العلاونة بالبقاء داخل المنزل، مع إغلاق النوافذ والأبواب بإحكام، وإيقاف التهوية الخارجية، والبقاء في غرفة داخلية.
فيما يتعلق بالغذاء والماء، فيجب استخدام مياه معبأة، وتجنب الحليب الطازج، والخضراوات الورقية، وغسل الطعام جيدًا، مع استعمال اليود الوقائي (Potassiu Iodide) الذي يحمي الغدة الدرقية من اليود-131، لكن يجب القيام بهذه الخطوة ضمن توجيه رسمي.
من بين الخطوات كذلك، إزالة التلوث الشخصي، وخلع الملابس لأنه يقلل التلوث بنسبة 90%، ووضعها في كيس مغلق، والاستحمام بالماء والصابون.
ولا بد كذلك، بحسبه، من متابعة التعليمات الرسمية، وما يصدر عن الدفاع المدني والأجهزة الحكومية المعنية، وعدم الاعتماد على الشائعات، والالتزام بالإخلاء إذا طُلب من الجهات الرسمية وذات العلاقة.
شدد على أهمية تجنب الخروج غير الضروري، واستهلاك منتجات محلية مباشرة، والتعرض للأمطار لأنها قد تكون ملوثة.

