عمان شهدت المنطقة العربية تأثيرات سلبية نتيجة النزاعات الإقليمية، مما أدى إلى تهديد سلاسل إمدادات الطاقة والغذاء، وهذا الوضع لم يستثنِ الأردن، حيث تبرز الحاجة إلى استراتيجيات حكومية فعّالة لضمان انسيابية المنتجات الزراعية إلى الأسواق المحلية، مع التركيز على الإجراءات المتخذة لمواجهة هذه التحديات.

يؤكد خبراء الزراعة أن الجهات المعنية بدأت في تنفيذ مبادرات لمواجهة الأزمة الحالية، حيث تم الإعلان عن حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى تأمين المنتجات الزراعية، وقد أشار هؤلاء الخبراء إلى أن الأوضاع الإقليمية الراهنة تعيق سلاسل الإمدادات الغذائية، مما يؤثر سلبًا على توافر السلع الأساسية في الأردن، لذا ينبغي أن تتكامل جهود مؤسسات الدولة، ويجب أن يلعب أصحاب القرار التجاري والصناعي والتمويني دوراً حيوياً في إدارة ملفات الاستيراد والتوزيع والرقابة على الأسواق.

تتطلب هذه الظروف تعاونًا وثيقًا بين الجهات المختلفة، حيث يجب على وزارة الصناعة والتجارة والتموين ضمان تدفق السلع، وزيادة وزارة الزراعة الطاقات الإنتاجية، كما ينبغي لوزارتي الداخلية والتنمية الاجتماعية متابعة وحماية الفئات الأكثر ضعفًا من آثار الغلاء، مع إطلاق مبادرات تكاملية لتعزيز المرونة الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة تقلبات الأسواق الإقليمية.

إجراءات عاجلة لحماية الإنتاج الغذائي.

مساعد الأمين العام للتسويق بوزارة الزراعة خليل عمرو أكد أن الوزارة اتخذت منذ بداية النزاع إجراءات عاجلة لحماية الإنتاج الغذائي وضمان استمراريته، من بينها وقف تصدير الخراف الحية إلى دول الخليج، حيث تسعى هذه الخطوة إلى الحد من ارتفاع أسعار لحوم الضأن في السوق المحلي، في ظل ارتفاع الأسعار في دول المنشأ، بالإضافة إلى وجود محاذير صحية على استيراد الضأن من بعض الدول.

كما أشار عمرو إلى أنه تم التعامل مع معيقات حركة الطيران بعد تأخر وصول إرساليات اللحوم الطازجة، حيث سمح بدخول هذه الإرساليات بعد إخضاعها للفحص في مسلخ أمانة عمان الكبرى، كما تم السماح باستيراد اللحوم من مناشئها الأصلية مروراً عبر بلد ثالث لضمان استمرارية توريدها.

تمت متابعة توفير مدخلات إنتاج قطاع الدواجن، حيث يتوفر شهريًا نحو 40 مليون بيضة تفريخ، ويكفي مخزون أعلاف الدواجن لنحو 110 أيام، وأوضح عمرو أن دورة إنتاج الدواجن منتظمة، مع وفرة المعروض منها، حيث بلغ مخزون لحوم الدواجن المجمدة من المنتج المحلي نحو 4.5 آلاف طن، مقارنة بألف طن العام الماضي، كما يجري ذبح 930 ألف طير يوميًا، مع توافر فائض في إنتاج بيض المائدة محليًا، وتم تقييد صادرات الدواجن بحيث لا يسمح بتصدير الأوزان الأكبر من 1000 غرام.

وأكد عمرو أن هناك متابعة يومية لمخزون الخضراوات والفواكه في مستودعات الجمارك، كما يتم رصد الإنتاج المحلي وواردات الأسواق المركزية وحركة الصادرات عبر المعابر الحدودية، حيث تم تعليق صادرات الخيار والبندورة حتى نهاية شهر رمضان الماضي، وتم تجديد تعليق تصدير البندورة لحين طرح كميات كافية منها في الأسواق، مع متابعة مخزون مدخلات الإنتاج الزراعي من بذور وأسمدة ومبيدات وأعلاف دواجن، وإزالة أي معيقات تعترض انسيابها للأسواق على مدار الساعة.

الحفاظ على منسوب تدفق الغذاء للأسواق.

الخبير د. فاضل الزعبي أشار إلى أهمية تكامل جهود مؤسسات الدولة للحفاظ على تدفق المواد الغذائية إلى الأسواق، حيث يجب على وزارة الصناعة والتجارة الإسراع بعمل منظومة الجمارك عند الحاجة لتسهيل دخول المواد الغذائية الأساسية بأسعار مدعومة أو معفاة من الرسوم، وتعزيز الرقابة على الأسعار لمنع الاحتكار والمضاربات التي قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، كما ينبغي ضمان تنويع مصادر الاستيراد الاستراتيجية.

كما دعا الزعبي إلى البحث عن أسواق بديلة أو شراكات إقليمية لتأمين القمح والسكر والزيوت، لضمان مخزونات آمنة كافية لاستخدامها عند الحاجة الملحة، مع ضرورة التنسيق مع وزارة المالية لتنفيذ برامج دعم مالي أو تمويل استثنائي للمستوردين المحليين لسلع أساسية، وذلك لمنع شح المعروض واحتواء التضخم في الأسواق.

كما أكد الزعبي على أهمية تطوير القدرة الإنتاجية المحلية للغذاء لمواجهة نقص الاستيراد المحتمل، حيث يتطلب ذلك دعم المزارعين وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة، وتنظيم وحماية المساحات الزراعية الإنتاجية، مع التركيز على تكثيف برامج الزراعة المكثفة والمائية، خصوصاً للمنتجات التي لا تزرع محليًا بكثرة، مع تشجيع الزراعة المنزلية والمشتركات الإنتاجية لزيادة المعروض.

وفي ظل ندرة المياه، أكد الزعبي على ضرورة وضع خطط فورية لتحسين إدارة المياه في الزراعة، بتشجيع التقنيات الموفرة للمياه، وعقد شراكة مع المياه لتوزيع حصص الري بإنصاف بين المناطق، حيث تعزز هذه الإجراءات الأمن الغذائي الداخلي وتخفف الاعتماد على أسواق الخارج في ظل أي اقتراب لأزمة استيرادية أو ارتفاع حاد في الأسعار العالمية.

وأشار الزعبي إلى مسؤولية التنمية الاجتماعية في حماية الطبقات الأشد ضعفاً من التضخم، حيث ينبغي تفعيل برامج الحماية الاجتماعية الطارئة وزيادة موازنات الدعم المخصص للأسر محدودة الدخل، بالإضافة إلى توزيع السلال الغذائية المجانية أو المدعومة عبر فروعها بالمحافظات، مع أهمية التعاون مع البلديات والجمعيات الخيرية لتأمين قنوات توزيع غذائية للمناطق المهمشة.

كما يجب أن يكون مستشارو التنمية الاجتماعية حاضرون في مجلس التسعير لمراقبة الأسواق، ورفع تقارير فورية عن أثر أي ارتفاع للسلع على الأسر المستهدفة، واقتراح حلول فورية مثل تقديم قسائم شراء مدعومة لفترة معينة.

أما خريطة الفاعلين في هذا المجال، فينبغي أن تشمل في المقام الأول المياه والري، كونها الجهة المسؤولة عن توفيرها للزراعة، لتأمين توزيعها العادل للمزارعين، وتطوير مشاريع جديدة لمصادر المياه العادمة المعالجة، لضمان استدامة الإنتاج الزراعي، كما يمكن لجهات التخطيط والتعاون الدولي إيلاء الموضوع أهمية في الحوار مع المانحين للحصول على تمويلات طارئة لدعم الأمن الغذائي.

كما يجب تعديل أو إلغاء الضرائب والرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج الزراعي والغذائي، وإعادة النظر في السياسة المالية لتخفيف عبء الاقتصاد الكلي على الأسعار، حيث أن الارتباط الوثيق بين هذه الجهات وتكامُل أدوارها يمكنه التخفيف من آثار الأزمة على المواطن، مما يضمن تدفق السلع وزيادة الطاقات الإنتاجية، مع حماية الفئات الأكثر ضعفًا من وطأة الغلاء.

رفع الطاقة الاستيعابية لصوامع الحبوب.

الخبير د. نبيل بني هاني أشار إلى أن الأردن وضع تأمين الغذاء على رأس أولوياته، حيث يُوصى برفع الطاقة الاستيعابية لصوامع الحبوب لتكفي احتياجاته لمدد زمنية آمنة، وتنويع سلاسل التوريد والبحث عن مسارات بديلة، لضمان تدفق السلع الأساسية دون انقطاع، مع استمرار مراقبة المخزون لضمان استقرار الأسواق في مواجهة أي اضطرابات إقليمية.

كما أكد بني هاني على ضرورة دعم الإنتاج المحلي والابتكار الزراعي، والاعتماد على الذات كوسيلة لضمان الأمن الغذائي، حيث يجب وضع تسهيلات لدعم المزارعين لزيادة رقعة المحاصيل الاستراتيجية، بدمج التكنولوجيا الحديثة في الري، وتقليل كلف الطاقة، مع السعي لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرصة لتعزيز “صنع في الأردن” بما يضمن توافر المنتج الوطني بجودة عالية وأسعار عادلة.

كما دعا إلى ضرورة تفعيل فرق الرقابة والتفتيش لضبط إيقاع الأسواق ومنع أي محاولات للاحتكار أو الرفع غير المبرر للأسعار، مع وضع سقوف سعرية للمواد الأساسية عند الضرورة، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية لدعم الأسر العفيفة.

تطوير اللوجستيات والممرات التجارية البديلة.

الخبير د. سميح أبو بكر أكد على أن الإقليم يعيش حالة عدم استقرار، مما يستدعي إدراك أن الأردن جزء من الإقليم والعالم، حيث نتأثر بسلاسل النقل والإنتاج المحلية والدولية، مما يتطلب وعيًا بعدم التهافت العفوي على المشتريات، مع ضرورة بث الوعي عبر وسائل الإعلام لتخفيف القلق المجتمعي.

كما أشار وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري إلى أهمية تنظيم الإنتاج وحوكمة القطاع الخاص، مع تصنيف تعريف المزارع، وتطوير البنية التحتية بالتقنيات والزراعة المحمية، لضمان توفر الغذاء في ظل الأزمة الإقليمية، حيث لا يوجد حل سوى فتح باب الاستيراد مع وضع سقوف جمركية لحماية الإنتاج المحلي.