في الخامس من أغسطس عام 1970، شهدت كرة القدم حدثًا تاريخيًا مع انطلاق أول ركلات ترجيح في تاريخ اللعبة، حيث أقيمت المباراة في ملعب بوثفيري بارك بمدينة هال، والتي جمعت بين هال سيتي ومانشستر يونايتد وانتهت بالتعادل 1-1 في إطار منافسات كأس واتني.

قبل هذه المباراة بستة أسابيع، قرر مُشرّعو كرة القدم استبدال نظام القرعة التقليدي بنظام ركلات الترجيح، حيث يُسمح لكل فريق بخمس ركلات من علامة الجزاء، مما أضاف عنصرًا جديدًا إلى طريقة حسم المباريات.

وبث برنامج “Sporting Witness” على “BBC” مقابلة مع مارتن كيلي، مشجع هال سيتي الذي حضر اللقاء، ليشهد أول ركلة ترجيح في التاريخ، والتي سددها أسطورة مانشستر يونايتد جورج بست.

لم يكن أحد يتوقع حينها أن هذه الطريقة الجديدة ستصبح تجربة مليئة بالتوتر، حيث عانى العديد من المشجعين واللاعبين من ضغوطها النفسية.

في السابق، كانت المباريات التي تنتهي بالتعادل تُحسم بإعادة المباراة أو بالقرعة، كما حدث في بطولة أوروبا 1968 عندما تأهلت إيطاليا إلى النهائي بعد تخمين صحيح لنتيجة القرعة عقب تعادلها سلبياً مع الاتحاد السوفيتي.

فينيسيوس جونيور أثناء تنفيذ ركلة جزاء خلال مباراة مانشستر سيتي وريال مدريد بدوري أبطال أوروبا - 17 مارس 2026
فينيسيوس جونيور أثناء تنفيذ ركلة جزاء خلال مباراة مانشستر سيتي وريال مدريد بدوري أبطال أوروبا – 17 مارس 2026 – Reuters

في تلك المباراة النهائية، انتهت المباراة بالتعادل 1-1، وفازت إيطاليا بعد يومين 2-0 في مباراة الإعادة، وكان مايكل ألموغ ويوسف داغان أول من اقترح تغيير نظام القرعة إلى ركلات الترجيح بشكل رسمي إلى الاتحاد الدولي “فيفا” في عام 1969.

في رسالته، وصف ألموغ القرعة بأنها طريقة غير أخلاقية، ودعا إلى استبدالها بركلات الترجيح، وإذا استمر التعادل بعد ذلك، تستمر المواجهة حتى يُهدر أحد الفريقين ركلة ويسجل الآخر.

تمت مناقشة الاقتراح قبل أن يتبناه مجلس الاتحاد الدولي في اجتماعه السنوي في 27 يونيو 1970، حيث كانت هناك طرق أخرى لحسم التعادل على مر السنين، منها تقاسم الألقاب أو احتساب الركنيات.

عندما طلبت “بي.بي.سي” من “فيفا” تأكيد ما إذا كانت ركلات الترجيح في كأس واتني هي الأولى، جاء رد الاتحاد بأنه لا يملك سجلات تؤكد أو تنفي هذا الادعاء، لكن المتحف الوطني لكرة القدم يعتبر هذه المباراة الأولى في إنجلترا.

استمرت العديد من المسابقات في الاعتماد على نظام الإعادة، حتى قرر الاتحاد الإنجليزي في موسم 1990-1991 استخدام ركلات الترجيح في كأس الاتحاد إذا استمر التعادل في مباريات الإعادة.

في تلك الأمسية في هال، خلال بطولة كأس واتني، جاء رد الفعل من اللاعبين والمشجعين على هذا النظام الجديد.

نظام أقل قسوة؟

أبلغ كيلي برنامج “بي.بي.سي”: لم أصدق أن فريقي هال سيتي سيواجه جورج بست وبوبي تشارلتون، ودينيس لو، فهذا أشبه بوجود ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو وكيليان مبابي في فريق واحد

لامين يامال يسجل من ركلة جزاء هدف التعادل لبرشلونة بمواجهة نيوكاسل في ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا - 10 مارس 2026
لامين يامال يسجل من ركلة جزاء هدف التعادل لبرشلونة بمواجهة نيوكاسل في ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا – 10 مارس 2026 – Reuters

قال فرانكي بانكس، لاعب هال سيتي السابق: كانت مباراة هائلة، فقد واجهنا مانشستر يونايتد المتوج بكأس أوروبا قبل عامين، والأجواء كانت حماسية، حيث تقدم هال سيتي بهدف كريس شيلتون في الدقيقة 11، لكن يونايتد أدرك التعادل بهدف دينيس لو قبل 12 دقيقة من النهاية

ومع اقتراب نهاية الوقت الإضافي، أدرك اللاعبون أنهم على وشك أن يكونوا جزءاً من حدث تاريخي، حيث طلب تيري نيل، مدرب هال، خمسة لاعبين للتسديد، وكان بعض اللاعبين مترددين بينما تحلى آخرون بالشجاعة.

لم يكن بانكس مقيداً للمشاركة لكنه حضر المباراة، وأشار إلى أنه لم يكن هناك لاعب يريد إهدار ركلة الترجيح، أو بالأدق أن يكون صاحب أول إهدار ركلة ترجيح في التاريخ.

الأول في التاريخ

بست كان سعيداً كونه أول لاعب يسدد ركلة ترجيح بنجاح، حيث سدد كرة منخفضة بقدمه اليمنى في الزاوية اليسرى، بينما أصبح نيل أول لاعب ومدرب يُسجل في ركلات الترجيح، ليستمر التعادل 3-3.

قال بانكس: كانت المباراة مفتوحة على جميع الاحتمالات، وكان الضجيج صاخباً، لكن إيان ماكيكني تصدى ببراعة لركلة الترجيح التي سددها دينيس لو، مما جعل لو يُذكر دائماً بأنه أول لاعب يُهدر ركلة ترجيح، بينما يُذكر ماكيكني كأول حارس مرمى يتصدى لركلة ترجيح

أهدر كين واغستاف ركلة لهال، وانبرى ويلي مورغان ليسدد ركلته بنجاح، ليمنح التقدم لمانشستر يونايتد، وأدرك هال أنه لا بد من تسجيل ركلته الأخيرة.

وهكذا أصبح ماكيكني أول حارس مرمى يسدد ركلة ترجيح في التاريخ، حيث تقدم وسدد بقوة، لكن تسديدته اصطدمت بالعارضة، ليصبح أول حارس مرمى يُهدر ركلة ترجيح في التاريخ.

قال بانكس: ما زلت أؤكد أن إيان ماكيكني كان الخيار الأمثل، فقد كان يملك قدماً يسرى رائعة، وكان لديه الشجاعة الكافية للقيام بذلك، لكن إهداره تلك الركلة ظل عالقاً في ذهن إيان طيلة حياته

بالطبع، ظهر العديد من اللاعبين الذين أهدروا ركلات الترجيح مثل لو وماكيكني منذ ذلك الحين، وتوضح الإحصاءات أن نسبة إهدار ركلات الترجيح تبلغ 24%.

حسمت ركلات الترجيح العديد من البطولات الكبرى، أبرزها كأس العالم في ثلاث مناسبات في 1994 و2006 و2022، وكان أول لقب بارز تحسمه ركلات الترجيح هو بطولة أمم أوروبا في 1976، حيث كانت الركلة الحاسمة هي الأشهر في عالم كرة القدم، والتي سُميت على اسم “أنتونين بانينكا”.

لكن قبل تلك الليلة في هال، لم يكن أحد يعلم ما مدى قسوة النظام الجديد في حسم المواجهات، وبعد أكثر من ستة عقود، لا يزال هذا الوصف قائماً.