أوضحت وزارة الأوقاف أن الميقات الزماني يُعتبر عنصرًا جوهريًا لصحة العبادات، حيث يمثل الإطار الزمني المحدد لأداء المناسك المختلفة، وفيما يتعلق بالحج والعمرة، تتباين آراء الفقهاء في تحديد هذا الميقات استنادًا إلى الأدلة المستمدة من الكتاب والسنة.
أحكام الميقات الزماني للحج
تحرير محل النزاع:
اتفقت آراء الفقهاء على أن أشهر الحج تبدأ من غرة شوال، بينما اختلفوا في تحديد نهايتها وفي جواز الإحرام قبل هذه الأشهر، لذا سنبدأ بتحديد الاختلاف في نهايتها ثم نتناول حكم الإحرام بالحج قبل أشهر الحج.
بداية الميقات الزماني للحج ونهايته
وفقًا للقول الأول لجمهور الفقهاء، فقد ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم إلى أن وقت الإحرام بالحج يمتد من شهر شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وهو ما يتبناه جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
أما القول الثاني للمالكية، فقد ذهب مالك إلى أن وقت الحج يمتد من شوال وذي القعدة وشهر ذي الحجة إلى آخره، حيث لا يُفهم من ذلك أن جميع هذه الفترة هي وقت لجواز الإحرام، بل بعض هذه الفترة يُعتبر وقتًا لجواز بدء الإحرام، وهو من شوال حتى طلوع فجر يوم النحر، وبعضها يُعتبر وقتًا لجواز التحلل، وهو من فجر يوم النحر.
الأدلة
استند الفريقان إلى قوله تعالى: ﴿ٱلۡحج أشۡهرࣱ معۡلومٰتࣱۚ فمن فرض فیهن ٱلۡحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فی ٱلۡحجۗ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ولكنهم اختلفوا في وجه الدلالة
فالجمهور فسروا الآية بأن المراد شهران وبعض الثالث، كما أن أركان الحج تُؤدى خلال تلك الفترة.
بينما استند المالكية إلى دلالة واضحة من الآية، حيث عبرت بالجمع ﴿أشۡهرࣱ﴾، مما يعني أنه يجب دخول ذي الحجة بكماله.
وتظهر ثمرة الخلاف في حالة تأخير طواف الإفاضة إلى نهاية ذي الحجة، حيث لا دم عليه وفق رأيهم، إذ يقول الحطاب عن الإمام مالك: “فيمن أخر الإفاضة وطاف بعد أن ذهبت أيام منى إن قرب فلا شيء عليه، وإن تطاول فعليه الدم، وقد اختلف قوله في معنى قول الله: ﴿ٱلۡحج أشۡهرࣱ معۡلومٰتࣱۚ﴾، فقال مرة: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وقال مرة: ذو الحجة كله، فعلى هذا لا يكون عليه هدي إلا أن يؤخر الحلاق والإفاضة حتى يخرج ذو الحجة”
حكم الإحرام بالحج قبل أشهر الحج
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى قولين.
القول الأول لجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، حيث يرون أنه يصح الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وينعقد حجا، لكن مع الكراهة، وهو قول إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه والليث بن سعد.
أما القول الثاني، فقد ذهب الشافعية إلى أنه لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره، فإذا أحرم به قبل هلال شوال لم ينعقد حجا، وانعقدت عمرة على الصحيح عندهم، وقد قال بهذا عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور.
الأدلة
الأصل في المسألة لكلا القولين هو قوله تعالى: ﴿ٱلۡحج أشۡهرࣱ معۡلومٰتࣱۚ﴾ [البقرة: ١٩٧]
أما أدلة القول الأول للجمهور، فهي تشير إلى أن معنى الآية هو أن الحج يكون في أشهر معلومات، وبالتالي يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به في غيرها، على الرغم من صحة الإحرام في غيرها، كما أنه يُعتبر أحد نسكي القران، مما يتيح الإحرام به في جميع السنة مثل العمرة، أو أحد الميقاتين، لذا يصح الإحرام قبله، كميقات المكان، ويعتبر الميقات الزماني شرطًا عندهم، مما يشبه الطهارة للصلاة في جواز التقديم على الوقت، وثبتت الكراهة لشبهه بالركن.
أما أدلة القول الثاني، فقد استند الشافعية إلى الكتاب والمعقول، حيث استندوا إلى قوله تعالى: ﴿ٱلۡحج أشۡهرࣱ معۡلومٰتࣱۚ﴾ [البقرة: ١٩٧]، حيث يدل ظاهره على أن وقت الحج هو أشهر معلومات، مما يعني أنه لا يصح قبلها، مثل ميقات الصلاة، كما استندوا إلى المعقول بأن الإحرام يُعتبر نسكًا من مناسك الحج، مما يجعله مؤقتًا، كالوقوف والطواف
الميقات الزماني للإحرام بالعمرة
اتفقت آراء الفقهاء على أن ميقات العمرة الزماني هو جميع العام، حيث يمكن أداؤها في أي وقت من السنة، وينعقد إحرامها، نظرًا لعدم وجود مخصص لها بوقت معين، كما اتفقوا على أنها تُفضل في شهر رمضان المبارك، حيث قال النبي ﷺ: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي». [متفق عليه: البخاري (١٨٦٣)، ومسلم (١٢٥٦)]، لكن يُعتبر فعلها في أيام الحج كعرفة مكروه
وبذلك فإن الميقات الزماني للحج محصور في أشهر معلومات (شوال، وذي القعدة، وعشر من ذي الحجة أو الشهر كاملاً حسب اختلاف المذاهب)، وهي الفترة التي لا يُقبل فيها أداء أركان الحج، بينما تتميز العمرة بكونها عبادة مطلقة الزمن تُقبل في جميع أيام العام، مع اتفاق الفقهاء على فضل أدائها في شهر رمضان لتعظيم الأجر والمثوبة.

