عدت مرة أخرى إلى مائدتي في المقهى الدبلوماسي بعد غياب طويل منذ دخول شهر رمضان المبارك وقد انقضت أيام العيد وقررت زيارته بحثًا عن الألفة والأصدقاء هربًا من صوت المطر والرعد الذي يعم أرجاء الخارج.

جلست أحتسي قهوتي الفرنسية وأسترجع ذكريات الشهر الكريم الذي مر سريعًا فتذكرت حديثًا رغم علمي بضعفه إلا أنه يلامس قلوب المسلمين حيث يقول “لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان” مما يدفعنا للتفكير في كيفية الاستمرار في الخير بعد انتهاء الشهر الفضيل فهل سيعود كل منا إلى روتينه اليومي المعتاد أم ينبغي علينا المحافظة على الطاعات التي كنا نقوم بها خلال رمضان فمن كان يختم القرآن الكريم فعليه أن يخصص وردًا يوميًا ولو كان صفحة واحدة ومن اعتاد على النوافل فليستمر على الأقل بركعتين في الليل ومن كان يحرص على الصلاة في المسجد فليحافظ على أدائها جماعة ولو مرتين يوميًا.

ومن كان يتحلى بالحياء عن البصر واللسان فليحافظ على طهارتهما بعد رمضان ولا ننسى الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم “من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر” وبينما كنت أغوص في أجواء رمضان الجميلة إذا بصديقي العزيز يربت على كتفي قائلًا “حمد الله على السلامة” وبعد تبادل التحيات والتبريكات فاجأني بسؤاله حول الرئيس الأمريكي ترامب وما يفعله من قرارات وتأثيراتها على الدول المختلفة.

أجبته بأنني قرأت تحليلًا يتناول الوجود الأمريكي وما يمثله من قوة عظمى في العالم مشيرًا إلى أن كلمة السر في هذا الأمر هي الصين حيث نفذت الولايات المتحدة عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو مما أدى إلى توقف خط النفط الذي كانت فنزويلا تبيعه إلى الصين.

كما قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب إيران مما ترتب عليه انقطاع خط البترول الذي كانت إيران تصدره إلى الصين أيضًا ووفقًا لنظرية راي داليو رجل الأعمال الأمريكي فإن صدام القوى الكبرى يصبح حتميًا عندما تقترب قوة صاعدة من القوة القائمة.

فالصين اليوم تمثل 28% من إنتاج العالم وتوقعات المحللين تشير إلى أنها ستصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030 وهذا يمثل أزمة وجودية لأمريكا فإما أن توقف منافستها أو لن تستطيع إيقافها.

تستورد الصين 73% من نفطها من فنزويلا وإيران وروسيا والسعودية لذا كانت الخطط الأمريكية تستهدف هذه الدول بينما تراجع الإنتاج في السعودية بسبب الحرب.

الصين كانت تعمل على بناء طريق الحرير الحديث الذي يمتد من بكين إلى قلب أوروبا عبر استثمارات ضخمة.

فألمانيا لم تعد تعتبر أمريكا شريكها التجاري الأول بل الصين بينما فرنسا وإيطاليا تتجهان نحو التعاون مع الصين.

إيران كانت نقطة وصل أساسية في هذا الطريق لذا فإن استقرارها ضروري للوصول إلى أوروبا وقد تم تدمير هذا الاستقرار مما أعاق طريق الصين التجاري.

أما تايوان فتعتبر مركزًا لصناعة الشرائح الإلكترونية المتطورة مما يجعل السيطرة عليها أمرًا حيويًا لتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين ولهذا تدعم أمريكا تايوان بينما ترفض الصين الاعتراف بذلك.

بالإضافة إلى أن أمريكا لا تضعف الصين فقط بل تستفيد ماليًا من خلال صفقات السلاح الناتجة عن أي صراع وهذا يحقق لأمريكا أهدافها في السيطرة على المنطقة.

وهنا أطلق صديقي زفرة من صدره قائلًا “يا ساتر” مما جعله يضرب كفًا بكف بينما كنت أتابعه بنظري متمنيًا أن ينجي الله بلادنا من الظالمين.