في منتصف شهر مارس/آذار الحالي، أصدر الأزهر الشريف بيانًا أدان فيه “الاعتداءات الإيرانية” على عدد من الدول العربية والإسلامية، مما أثار ردود فعل قوية داخل الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، حيث اعتبرت هذه الإدانة غير متوقعة من مؤسسة لطالما كانت تُعتبر جسرًا للتقريب بين المذاهب، إذ لا ينظر أهل الدين والسياسة في طهران إلى الأزهر كمؤسسة سنية تقليدية، بل يرونه شريكًا في مشروع يسعى لتخفيف الاحتقان المذهبي وتعزيز الوحدة الإسلامية، ويحتل الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب مكانة خاصة في هذا السياق، حيث أكد أن الخلاف بين السنة والشيعة هو خلاف فكري وليس دينيًا، وأن المذهب الاثني عشري يجوز التعبد به كما غيره من المذاهب المعترف بها.

عتاب الأخوة

جاء العتاب من “قم” بمقدار المحبة والاحترام للشيخ والمشيخة، حيث أشار البيان الذي وقعه آية الله علي رضا الأعرافي إلى أن الحوزة لا تخاطب خصمًا بل تعاتب صديقًا له مواقف مقدرة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني والدعوة لوحدة الصف الإسلامي، مما يستدعي دعوة الشيخ الطيب لإعادة النظر في بيانه في ضوء الحقائق الكبرى التي لا يمكن تجاوزها في أي حكم شرعي أو سياسي أو أخلاقي.

كما عبّر نص بيان الحوزة عن خيبة أمل حقيقية في بيان الأزهر، الذي غاب عنه العديد من الحقائق، حيث انشغل بإدانة الرد الإيراني متجاهلًا أصل العدوان الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، وأعاد التأكيد على أن المعركة الحالية هي حلقة من حلقات صراع حضاري ممتد مع مشروع استعماري غربي-أمريكي يسعى لإعادة رسم خريطة المنطقة وفق مصالحه، ولحماية الكيان الصهيوني باعتباره رأس حربة هذا المشروع.

بيانات آيات الله

طرحت بيانات آيات الله العديد من علامات الاستفهام حول موقف الأزهر من المعركة الجارية، حيث تساءلت الحوزة عن سبب تناقض البيان الأخير مع الموقف السابق، ولماذا لم يُدن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران كما أدان هجوم الأخيرة على دول الجوار العربية والإسلامية.

عندما تعرضت إيران في يونيو/حزيران الماضي لهجوم مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل، أدان الإمام الأكبر العدوان بوضوح، محذرًا من جر المنطقة إلى حرب شاملة، ومن محاولات الكيان الصهيوني نشر الفوضى وتحويل المنطقة إلى ساحة للصراعات والحروب، وشدد على أن الاعتداءات الممنهجة تهدف إلى جر المنطقة إلى حافة الانفجار وإشعال حرب شاملة لا رابح فيها سوى تجار الدماء والسلاح، وهو ما تحقق في نهاية فبراير/شباط الماضي عندما انجرّت المنطقة إلى فوضى شاملة نتيجة الهجوم الصهيوني الأمريكي.

دفاع عن النفس

ما يجري الآن لم يكن مفاجئًا من زاوية الحسابات العسكرية، حيث أعلنت إيران منذ سنوات أن أي هجوم عليها سيقابل باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وبما أن هذه المصالح تتمركز أساسًا داخل قواعد عسكرية في دول الخليج، فإن تحويل هذه القواعد إلى أهداف كان تنفيذًا لتهديد معلن وليس تصعيدًا عشوائيًا، وقد تحدثت تقارير أمريكية وغربية عن استخدام هذه القواعد في العمليات العسكرية والاستخبارية ضد إيران، مما عزز رواية طهران بأن أراضي بعض دول الخليج تحولت إلى منصات انطلاق لعمليات تستهدفها.

من هذه الزاوية، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن فصل “الرد الإيراني” عن “البيئة التي أنتجته”؟ حيث يرى كثيرون أن إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل عن هدفهما إسقاط النظام الإيراني وضع طهران أمام معادلة وجودية، مما دفعها إلى تبني خيار أقرب إلى ما يُعرف بـ”خيار شمشون”، أي الرد بكل ما تملك، حتى لو أدى ذلك إلى توسيع دائرة الصراع، إذ لم تعد القواعد الأمريكية في الخليج مجرد منشآت عسكرية، بل أصبحت جزءًا من معركة مفتوحة وأهدافًا مشروعة في نظر من يتعرض للهجوم منها

هذا يعيدنا إلى أصل الأزمة، حيث اعتبر الكثير من المحللين العرب أن “الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة”، الذي قُدم لعقود كضمانة للأمن، كشف عن وجه آخر مع أول اختبار حقيقي، فهو لم يمنع الحرب ولم يحم الدول المستضيفة، بل جعلها أهدافًا مباشرة وأدخلها في صراع لا تملك قرارها، مما فرض عليها معادلة قاسية تتعلق بالدفاع عن قواعد أجنبية تقع على أراضيها.

من هنا، فإن إدانة النتائج دون التطرق إلى الأسباب تُعتبر قراءة ناقصة، فالقضية لا تقف عند حدود الفعل ورد الفعل، بل تتصل ببنية أمنية كاملة أثبتت أنها تخدم أساسًا أمن إسرائيل قبل أي طرف آخر.

الأزهر، بحكم مكانته، ليس مطالبًا بالانحياز السياسي، بل هو مطالب بالحفاظ على ميزان العدل، كما جاء في بيان الحوزة، والعدل يتطلب النظر إلى المشهد من كل زواياه وجوانبه، ويفرض عليه الإجابة عن الأسئلة الأساسية قبل تبني موقف بعينه، مثل “من بدأ؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكيف تطورت الأمور؟ وماذا على الأمة أن تفعل؟”.

قد يختلف كثيرون حول سلوك إيران أو حدود ردها أو تكلفة خياراتها، لكن ما لا يمكن إنكاره أن المنطقة كلها تدفع ثمن الإجرام الإسرائيلي والانحياز الأمريكي وغياب المشروع العربي الذي يمثل الضمانة والبديل الأنجع للحماية.