سجل الدولار ارتفاعًا جديدًا أمام الجنيه المصري مع بداية تعاملات الأسبوع، ليقترب من مستوى 53.6 جنيهًا، مما يثير قلق المستثمرين ويؤثر على حركة الأموال في الأسواق المحلية، حيث تزداد الضغوط الناجمة عن التطورات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة، ما يعكس هشاشة سوق الصرف في مصر خلال المرحلة الحالية.
ووفق بيانات البنك المركزي، بلغ متوسط سعر الدولار نحو 52.75 جنيهًا للشراء و52.88 للبيع، في حين تجاوزت الأسعار الفعلية في عدد من البنوك الكبرى مستوى 53.9 جنيهًا، مع تسجيل زيادات تقارب الجنيه الواحد مقارنة بالأسبوع الماضي، ونحو 11.7% منذ نهاية شباط/فبراير، تزامنًا مع تصاعد الحرب في المنطقة.
ويعزو مصرفيون هذا الارتفاع إلى تراكم الطلب على العملة الأجنبية خلال عطلة عيد الفطر، إلى جانب استمرار الضغوط على موارد النقد الأجنبي، لا سيما مع تراجع إيرادات بعض القطاعات الحيوية وارتفاع فاتورة الاستيراد.
فجوة تتسع بين الرسمي والموازي.
في موازاة ذلك، تشير مؤشرات السوق إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وغير الرسمي، إذ تجاوز الدولار في تسعير الذهب مستوى 55 جنيهًا، وهو ما يعكس سعرًا ضمنيًا أعلى من التداولات المصرفية.
ويرى مراقبون أن هذا الفارق يعكس عودة تدريجية لنشاط السوق الموازية، مدفوعة بعدم قدرة القنوات الرسمية على تلبية الطلب، خاصة من قبل بعض المستوردين، ما يدفعهم للبحث عن العملة الصعبة خارج النظام المصرفي.
كما يقدّر متعاملون أن الفجوة الحالية تتراوح بين 1.6 و2.3 جنيه، وهي نسبة مرشحة للاتساع في حال استمرار الضغوط دون تدخلات فعالة لضبط السوق.
الطاقة والحرب: عاملان حاسمان
من جهة أخرى، تتزايد الضغوط على الجنيه مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالميًا، إذ أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تضاعف فاتورة الطاقة الشهرية إلى نحو 2.5 مليار دولار خلال مارس، مقارنة بـ1.2 مليار دولار في يناير.
ويرى محللون أن هذا الارتفاع يفرض طلبًا إضافيًا على الدولار من جانب الحكومة، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من شح العملة الأجنبية، ما يعمّق اختلال التوازن بين العرض والطلب.
كما يتوقع أن يؤدي استمرار التوترات الإقليمية، بما في ذلك المخاوف من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، إلى إبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، وهو ما يشكّل ضغطًا إضافيًا على الموازنة المصرية التي بُنيت على تقديرات أقل بكثير لأسعار الخام.
إجراءات تقشفية ومخاوف من المرحلة المقبلة
في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومة المصرية تطبيق حزمة إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، تشمل تقليص الإضاءة العامة، وخفض استهلاك الوقود، وتقليص ساعات العمل في المرافق العامة، إلى جانب التوسع في العمل عن بعد.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تعكس محاولة لاحتواء الضغوط على العملة الصعبة، لكنها قد لا تكون كافية في حال استمرار العوامل الخارجية الضاغطة.
في المقابل، يرى محللون أن السوق يتجه نحو مرحلة “إعادة تسعير” تدريجية للجنيه، قد تقترب من تعويم غير معلن، خاصة إذا استمرت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، وتواصلت الضغوط على موارد النقد الأجنبي.
يقف الاقتصاد المصري أمام اختبار معقّد، حيث تتقاطع الضغوط الجيوسياسية مع التحديات الداخلية، ما يجعل مسار الجنيه خلال الفترة المقبلة مرهونًا بقدرة السلطات على إدارة سوق الصرف وتوفير السيولة الدولارية في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

